.:: إعلانات النيل الازرق ::.

أهلا وسهلا بك إلى منتديات النيل الازرق السودانية.
أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم، إذا كانت هذه زيارتك الأولى للمنتدى، فيرجى التكرم بزيارة صفحة التعليمـــات، بالضغط هنا. كما يشرفنا أن تقوم بالتسجيل بالضغط هنا إذا رغبت بالمشاركة في المنتدى، أما إذا رغبت بقراءة المواضيع والإطلاع فتفضل بزيارة القسم الذي ترغب أدناه.
العودة   منتديات النيل الازرق السودانية > الاقســام الســودانيــة > الشؤون السودانية والتراث

الشؤون السودانية والتراث يهتم بكل ما يختص بالسودان وتاريخه وتراثه وقبائله وأخبار المجتمع السودانى

الإهداءات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 22-05-2019, 01:20 PM   #1



الصورة الرمزية صبرى محمد خليل خيرى
صبرى محمد خليل خيرى متصل الآن

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 10900
 تاريخ التسجيل :  Apr 2011
 أخر زيارة : اليوم (11:26 AM)
 المشاركات : 219 [ + ]
 التقييم :  51
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي الديموقراطيه السودانية: معوقات الاستمرارية واليات ضمان الاستدامة



الديموقراطيه السودانية: معوقات الاستمرارية واليات ضمان الاستدامة
د. صبري محمد خليل / أستاذ فلسفه القيم الاسلاميه في جامعه الخرطوم
Sabri.m.khalil@gmail.com
أولا: ملخص الدراسة: تتناول الدراسة أولا معوقات استمرارية الديموقراطيه السودانية وهى:أولا: مشكله مشكلة التخلف الديمقراطي ، وتتمثل في ضعف التقاليد الديمقراطية ، بفعل الاستعمار وما صاحبه من تخلف ثقافي ومادي، إضافة إلى تطبيق المفهوم الليبرالي القائم على سلبية الدولة بالنسبة للممارسة الديمقراطية، وكان حصيلة هذا فشل تطبيق الديمقراطية، ومن أثار هذا الفشل جاءت ظاهرة الانقلابات العسكرية ، كل هذا أدى إلى شيوع العديد من المظاهر السلوكية والفكرية السياسية السلبية منها:السلبية السياسية /الإشاعات/ النفاق"السياسي/ شيوع ظاهره المراهقة السياسية . ثانيا: الخلط بين الدولة بما هي مجموعة السلطة "الحكومة" والأرض " الوطن" والشعب على مر الأزمان، والنظام بما هو السلطة "الحكومة" في زمان ومكان معين، وهذا الخلط يتجلى في عدة ظواهر سلبيه أهمها: شيوع معيار الولاء بدلا من الكفاءة لدى النظم السياسية المختلفة بدرجات متفاوتة ، وعدم تمييز قطاعات من المعارضة بين استهداف الحكومة واستهداف مؤسسات الدولة.ثالثا:أن الواقع السياسي السوداني لم يعرف - في الغالب الأعم- سوى الأحزاب ذات الشكل الليبرالي، التي هي المعادل السياسي للنظام الرأسمالي، القائم على المنافسة الحرة من اجل الربح. رابعا: أن علاقة الأحزاب السودانية – في الغالب الأعم- بالواقع الاجتماعي، إنها انعكاس لواقع تخلف النمو الوطني والقومي، وبالتالي يمكن وصفها بأنها تعبيرا سياسي عن الانغلاق القبلي والطائفي. خامسا: أن السياسة السودانية ظلت تحاول دائماً الانتقال التغيير السياسي"الثورات السياسية المتعاقبة" ، دون أن تكمل إنجاز التغيير الفكري" الثورة الفكرية" . سادسا: المظاهر الفكرية والسلوكية السلبية ، التي تسود بين المثقفين والمتعلمين السودانيين- فتوجد في مجموعهم إن لم توجد في جميعهم - وهي إفراز امتداد الحياة في ظل تخلف النمو الحضاري للمجتمع السوداني، و في ذات الوقت فإنها احد أسباب استمرارها لأنها تفتك بمقدرة المثقفين، الذين هم قادة حركة التطور الاجتماعي في كل المجتمعات، ومن أهم هذه المظاهر السلبية :الفردية (الانانيه) ومظاهرها:كالانعزال عن الجماهير أو الاستعلاء عليها والبيروقراطية/ تجاوز المثقف لدوره التنويري وفرضه وصايته على الشعب /الدوران في الحلقة المفرغة "التغريب والتقليد" / التقاء تياري التقليد والتغريب في تكريس الفهم الخاطئ للدين/ النخبوية بدلا من الطليعية/ ضمور الدور النقدي للمثقف في علاقته بالسلطة. سابعا: شيوع موقفي الرفض المطلق أو القبول المطلق لمفهوم الديموقراطيه في الفكر السياسي السوداني ، نتيجة لأسباب متعددة أهمها خضوعه لقاعدة الحصر الثنائي " بين الفكرة ونقيضها .ثامنا: اكتفاء الديموقراطيه السودانية، بمعيار الاغلبيه وتجاهلها لمعيار التوافق، نتيجة لأخذها بالصيغة الليبرالية للديموقراطيه ، وكون الليبرالية واستنادا إلى اعتمادها المطلق على مفهوم الاغلبيه، لم تميز ابتداء بين نوعين من أنواع الاغلبيه: أولا:الاغلبيه المتغيرة "السياسية" ثانيا: الاغلبيه الثابتة" العرقية أو الدينية " التي تقابلها اقليه ثابتة ولا توجد أمكانيه لتحولها إلى اغلبيه، وبالتالي لا يوجد ضمان لعدم قهرها بواسطة الاغلبيه . تاسعا:اكتفاء الديموقراطيه السودانية بمعيار التمثيل وتجاهلها لمعيار المباشرة ، نتيجة لأخذها بالصيغة الليبرالية للديموقرطيه ، وهى صيغه للديمقراطية غير المباشرة (التمثيلية)، ظهرت في مرحله تاريخيه لاحقه للديموقراطيه المباشرة . عاشرا: شيوع موقفين من دور الجيش في الحياة السياسية في الفكر السياسي السوداني وهما: أولا: إلغاء اى دور للجيش في الحياة السياسية ،ويستند إلى المفهوم الليبرالي للديموقراطيه، اتساقا مع سلبية الدولة بالنسبة للممارسة الديمقراطية في هذا المفهوم . ثانيا: إطلاق دور الجيش إلى درجه إلغاء الديموقراطيه.حادي عشر: شيوع موقف- ليبرالي في جذوره الفكرية - يقوم على الخلط بين الديموقراطيه كنظام فني لضمان سلطه الشعب ضد استبداد الحكام،قد يكون صالح للتطبيق في كل المجتمعات، بشرط مراعاته لخصوصية كل مجتمع، والليبرالية كفلسفة ومنهج ومذهب نشا ضمن سياق تاريخي خاص بالمجتمعات الغربية.ويستند الموقف السابق إلى موقف يقوم على القبول المطلق لأركان الليبرالية كمذهب "اى :الراسماليه/العلمانية/ الديموقراطيه/الفردية).
ثم تتناول الدراسة ثانيا آليات ضمان استدامة الديموقراطيه السودانية وهى: أولا: مساهمة الجميع في حل مشكلة التخلف الديمقراطي، بتشجيع الممارسة الديمقراطية على أوسع نطاق، وان تكون وسائل ممارسة الديمقراطية إحدى الخدمات التي تقدمها الدولة . ثانيا:التمييز بين الدولة والنظام السياسي"الحكومة":باعتبار أن الدولة ومؤسساتها ملك للشعب وليست ملك لنظام سياسي معين.والشعب باقي أما النظم السياسية فزائلة مهما تطاول استمرارها في الوجود. ثالثا:التحرر من الشكل الليبرالي للأحزاب وتحول الأحزاب إلى طلائع للتغيير لما فيه صالح الشعب ،وليس نخب معزولة، عنه تسعى لتحقيق مصالحها الخاصة على حساب مصالح الشعب. رابعا: جاوز القبلية و الطائفية.خامسا: انجاز التغيير الفكري سلبا بمحاربة التفكير البدعى شبه الخرافي وشبه الأسطوري ، وإيجابا بإنتاج ونشر التفكير الاجتهادي والعلمي والعقلاني. سادسا: اضطلاع المثقفين السودانيين بدورهم التنويري النقدي، وعدم فرض وصايتهم على الشعب . سابعا: تجاوز موقفي الرفض أو القبول المطلقين لمفهوم الديموقراطيه، إلى موقف نقدي يقوم على التمييز بين دلالتي المفهوم ، فالإسلام لا يتناقض مع الدلالة العامة المشتركة لمفهوم الديمقراطية، اى ان يكون التنظيم القانوني للمجتمع متفقا مع ما يريده الناس فيه،وهو ما يتحقق من خلال الديموقراطيه كنظام فني لضمان سلطه الشعب ضد استبداد الحكام.أما الدلالة الخاصة المنفردة للمفهوم اى الديموقراطيه الليبرالية ، فيقوم الموقف الصحيح منها على اخذ وقبول ما لا يناقض أصول الدين وواقع المجتمعات المسلمة، ورد ورفض ما يناقضهما .ثامنا: الجمع بين معياري الاغلبيه والتوافق : وذلك بالتوافق على صيغه للحكم تجمع بين حكم الاغلبيه،وإقرار دور فاعل لكافه مكونات المجتمع : الاجتماعية "ومن ضمنها المراْه"، والدينية والعرقية " ومن ضمنها الأقليات الدينية والعرقية"، والوظيفية "ومن ضمنها الجيش"... وحفظ حقوق هذه المكونات على المستوى الدستوري . تاسعا: الجمع بين معياري التمثيل و المباشرة : وذلك بالأخذ بالديموقراطيه المباشرة في الوحدات السياسية الصغيرة كمجالس الأحياء، والأخذ بالديموقراطيه غير المباشرة " النيابية"في الوحدات السياسية الكبيرة "كالبرلمان " . والأخذ بالتطبيقات السياسية المعاصرة للديموقراطيه المباشرة، التي يمكن تطبيقها في الوحدات السياسية الكبيرة ، ومنها :الاستفتاء والاستدعاء والمبادرة . عاشرا:التأكيد على دور وطني ديموقراطى للجيش في الحياة السياسية: وذلك خلال الجمع بين معياري الاغلبيه والتوافق (الديموقراطيه التوافقية) . حادي عشر:التمييز بين الديموقراطيه والليبرالية ، وهذا الموقف يقوم على التمييز بين الديموقراطيه والليبرالية ،والتحرر من الخلط بينهما ،وهو ما يتحقق نظريا باتخاذ موقف نقدي من أركان الليبرالية كمذهب(الراسماليه/العلمانية/الديموقراطيه /الفردية)، كما يتحقق عمليا من خلال تخليص الديمقراطية من الليبرالية كفلسفة ومنهج وأسلوب حياه شامل (رأسمالي، فردي، علماني..) ، وذلك بالديمقراطية ذاتها لا بإلغاء الديمقراطية.
ثانيا:المتن التفصيلى للدراسه:
مشكلة التخلف الديمقراطي: من أهم معوقات استمرارية الديموقراطيه السودانية مشكلة التخلف الديمقراطي التي تمثل البعد السياسي لمشكلة تخلف النمو الحضاري، وتتمثل في: ضعف التقاليد الديمقراطية ، بفعل الاستعمار وما صاحبه من تخلف ثقافي ومادي، إضافة إلى تطبيق المفهوم الليبرالي القائم على سلبية الدولة بالنسبة للممارسة الديمقراطية، وكان حصيلة هذا فشل تطبيق الديمقراطية، ومن أثار هذا الفشل جاءت ظاهرة الانقلابات العسكرية ،التي تكاد تكون المرحلة التالية لمرحلة التحرر من الاستعمار على مستوى العالم الثالث كله، فضلا عن الانظمه الاستبدادية المتتالية، كل هذا أدى إلى شيوع العديد من المظاهر السلوكية والفكرية السياسية السلبية منها:
السلبية السياسية : مظاهرها العزلة عن السلطة، والشك فيها والسلبية إزاء ما تدعو إليه.
الإشاعات: التي هي محاولة لتبادل العلم بالواقع ومشكلاته، في ظل نظام يحاول الحيلولة دون هذه المعرفة، ويساعد على دعمها شيوع أنماط التفكير الخرافي القائم على قبول الأفكار دون التحقق من صدقها أو كذبها بأدلة تجريبية.
النفاق"السياسي" :الذي يعوق تطور المجتمع ، بما هو تزييف الواقع الاجتماعي ومشكلاته بالكذب في الإخبار عن المعرفة بهذه المشاكل، وتزوير الحلول الممكنة لهذه المشاكل بالكذب في الإخبار عن الآراء التي تتضمن حلول هذه المشاكل، وإرباك العمل الاجتماعي بالكذب في الأخبار عن المقدرة على العمل.
شيوع ظاهره المراهقة السياسية : هى ظاهره تتصل بالنشاط السياسي "العام"، لبعض الشخصيات السياسية، سواء كانت شخصيه طبيعيه (كالسياسيين والناشطين في المجال السياسي العام)، أو شخصيه اعتباريه (كالمؤسسات السياسية "الأحزاب والتنظيمات السياسية"....)، حيث يأخذ هذا النشاط فيها شكل بعض الخصائص السلبية ، التي تصاحب المراهقة كمرحلة تنقل شخصيه الفرد من مرحلة الطفولة إلى مرحلة الرشد والبلوغ. وهذه الظاهرة يلزم منها – موضوعيا وبصرف النظر عن النوايا الذاتية - تعطيل الاراده الشعبية ، وإجهاض مظاهرها من ثورات شعبيه ونظم ديمقراطيه ناشئه،ولا تخدم – ويصرف النظر عن الشعارات المرفوعة- إلا القوى"الداخلية أو الخارجية" التي تسعى إلى تعطيل آو حتى إلغاء هذه الاراده الشعبية حيث تقوم هذه القوى بتوظيفها بالتحكم بها - بصوره مباشره أو غير مباشره - من خلال إدراكها أن هذه الظاهرة تحيل النشاط السياسي إلى سلسله متعاقبة من ردود الأفعال الذاتية - العاطفية، بدلا من أن يكون مجموعه من الأفعال الموضوعية - العقلانية. ومن الامثله على توظيف ظاهره المراهقة السياسية ، بالتحكم بها وتوجيهها نحو إحداث فوضى أو عنف، بهدف تفكيك الدولة أو لتبرير فرض نظام استبدادي أو استخدام القوه.

عدم التمييز بين الدولة والنظام السياسي"الحكومة": ومن معوقات استمرارية الديموقراطيه السودانية – والتي تعتبر أيضا من أهم إشكاليات الفكر السياسي السوداني - الخلط بين الدولة بما هي مجموعة السلطة "الحكومة" والأرض " الوطن" والشعب على مر الأزمان، والنظام بما هو السلطة "الحكومة" في زمان ومكان معين، وهذا الخلط يتجلى في عدة ظواهر سلبيه أهمها: شيوع معيار الولاء بدلا من الكفاءة لدى النظم السياسية المختلفة بدرجات متفاوتة ، وعدم تمييز قطاعات من المعارضة بين استهداف الحكومة واستهداف مؤسسات الدولة.
مشكله الأحزاب ذات الشكل الليبرالي: ومن معوقات استمرارية الديموقراطيه السودانية أن الواقع السياسي السوداني لم يعرف - في الغالب الأعم- سوى الأحزاب ذات الشكل الليبرالي، التي هي المعادل السياسي للنظام الرأسمالي، القائم على المنافسة الحرة من اجل الربح.
الانغلاق"الطائفي والقبلي": ومن معوقات استمرارية الديموقراطيه السودانية أن علاقة الأحزاب السودانية – في الغالب الأعم- بالواقع الاجتماعي، إنها انعكاس لواقع تخلف النمو الوطني والقومي، وبالتالي يمكن وصفها بأنها تعبيرا سياسي عن الانغلاق القبلي والطائفي.
ا/ الطائفية: علاقة الطائفية بالديموقراطيه هي علاقة ذات حدين ،فمن ناحية فان تحرير الناس من الطائفية هو شرط للديموقراطيه، لأنها احد أشكال التبعية الاجتماعية، التي تمكن مجموعه من الأفراد" زعماء الطائفة" من فرض إرادتهم على غيرهم ،وإكراه الناس " أكراها معنويا" على أن يحبسوا آراءهم .ومن ناحية أخرى فان الديموقراطيه هي احد أساليب تجاوز الطائفية .
ب/القبلية: القبلية طبقا لمعناها السلبي هي محاوله – فاشلة - للعودة إلى الطور القبلي كطور تكوين اجتماعي تجاوزه التطور الاجتماعي،وهى تتعارض- طبقا لهذا المعنى السلبي – مع الديموقراطيه من عدده أوجه ومنها: أولا : أنها تفرز نمط تفكير وسلوك جماعي، يتطرف في التأكيد على وجود الجماعة "القبيلة" إلى درجه إلغاء الوجود الفردي، وبالتالي إلغاء حرية الاراده والوعي الفرديين ، ثانيا: أنها تقترن بالعنصرية التي هي التقاء على إحدى المميزات الموروثة عن الطور القبلي، وهى: وحدة الجنس، وهى نفض للمساواة كقيمه لازمه لتحقيق الديموقراطيه.
محاوله الانتقال إلى التغيير السياسي دون أكمال إنجاز التغيير الفكري: ومن معوقات استمرارية الديموقراطيه السودانية ، أن السياسة السودانية ظلت تحاول دائماً الانتقال التغيير السياسي"الثورات السياسية المتعاقبة" ، دون أن تكمل إنجاز التغيير الفكري" الثورة الفكرية" ، بينما مرحله التغيير الفكري سابقه على مرحله التغيير السياسي.
المظاهر السلبية للمثقفين السودانيين وتأثيرها السلبي على الديموقراطيه: ومن معوقات استمرارية الديموقراطيه السودانية العديد من المظاهر الفكرية والسلوكية السلبية ، التي تسود بين المثقفين والمتعلمين السودانيين- فهي توجد في مجموعهم إن لم توجد في جميعهم - هذه المظاهر السلبية هي إفراز امتداد الحياة في ظل تخلف النمو الحضاري للمجتمع السوداني، نتيجة لعوامل داخليه (كالتقليد، الجمود،الاستبداد) وخارجية(كالاستعمار،التبعية...) متفاعلة ، و في ذات الوقت فإنها احد أسباب استمرارها لأنها تفتك بمقدرة المثقفين، الذين هم قادة حركة التطور الاجتماعي في كل المجتمعات، ومن أهم هذه المظاهر السلبية :
الفردية (الانانيه) : من أهم هذه المظاهر الفردية ،ومرجع هذه النزعة الفردية (التي يعبر عنها عامه الناس بمصطلح الانانيه) عند بعض المثقفين أنهم قادة حركة التطور في كل المجتمعات، وإذا كانوا في المجتمعات المتقدمة كثرة تفيض عن الحاجة. فإنهم في المجتمعات النامية كالسودان قوة نادرة؛ ذلك لأنهم أكثر معرفة وعلماً ومقدرة على العمل من الكتلة السائدة. فلا تستطيع مجتمعاتهم أن تستغني عنهم، وبينهم وبين سواد الشعب ثغرة فاصلة.يمكن أن يضاف إلى هذا أسباب عدة، منها أن برامج التربية والتعليم والثقافة والإعلام في المجتمعات النامية كانت لفترة طويلة من وضع القوى الاستعمارية لخدمة غاياتها، ومن غاياتها إضعاف العلاقة الاجتماعية التي تربط الناس بمجتمعاتهم في مصير واحد ، حتى لا تعود هذه الروابط إلى وعى الناس التزامهم بتحرير مجتمعاتهم. ومنها ميراث الممارسة الليبرالية ذلك المذهب الفردي الذي يتجاوز تمجيد الإنسان إلى إطلاق الفرد من التزاماته المترتبة علي انتمائه إلى مجتمعه؛ فيتحول المجتمع إلى ساحة صراع فردي لا إنساني؛ وتكون الفردية فيه قيمة لا يخجل منها صاحبها، بل يفخر بها، بقدر ما يكون لها من ضحايا من أفراد آخرين.
الانعزال عن الجماهير أو الاستعلاء عليها :غير أن هذه الفردية قد تأخذ شكل العزلة عن الجماهير أو شكلاً الاستعلاء عليها، والتشبث بالقيادة، والتوقف أو الانعزال، أو التمرد على العمل الجماعي ما لم يخضع الناس لإرادته.
البيروقراطية: من أشكال الاستعلاء على الجماهير البيروقراطية؛ فالبيروقراطيون هم قطاع من المتعلمين، يشكلون جزءاً من موظفي الدولة، يُفرطون في توفير الشرعية الشكلية للقوانين واللوائح (عدم تناقضها مع قواعد الدستور، أو القانون) مع إهمالهم لمضمونها ( كأدوات وُضِعت لتنظيم حياة الناس وحل مشاكلهم)، كما تستخدم فئة منهم السلطة الممنوحة له لتعويض سنوات الفقر بالاختلاس أو تعويض سنوات الذل بالاستبداد بالناس. ولا يمكن مقاومه البيروقراطية إلا بمنح الشعب حق الشكوى ،لا بمنح الموظفين الحضانة ضد الشكوى.
تجاوز المثقف لدوره التنويري وفرضه وصايته على الشعب : ومن هذه المظاهر السلبية عدم معرفه كثير من المثقفين السودانيين لحدود دورهم الاجتماعي (المعرفي التنويري) ، مما يؤدى في كثير من الأحيان لتجاوزهم لهذا الدور.ومن أشكال هذا التجاوز محاوله كثير من المثقفين السودانيين فرض وصايتهم على الشعب السوداني .
الدوران في الحلقة المفرغة "التغريب والتقليد:" من هذه المظاهر السلبية أن المثقف السوداني في محاولته الاجابه على السؤال المتعلق بكيفية تحقيق التقدم الحضاري للمجتمع السوداني ظل يدور في حلقه مفرعه مضمونها إما القول بإلغاء القيم الحضارية للشخصية السودانية واستبدالها بقيم جديدة(التغريب)؛ متناسيا أن أن محاولة اجتثاث أي شخصية من جذورها محاولة فاشلة لن تؤدى إلا إلى حطام شخصية. أو القول بالإبقاء علي الشخصية السودانية كما هي كائنة (التقليد)؛ متناسيا أن هذا يعنى الإبقاء على المظاهر الفكرية والسلوكية السلبية التي افرزها التخلف الحضاري. ولم يفلح المثقف السوداني فى الوصول إلى اجابه جدليه مضمونها إلغاء المظاهر السلبية للشخصية السودانية بإلغاء سببها (تخلف النمو الحضاري)،وفى ذات الوقت إبقاء القيم الحضارية للشخصية السودانية لتسهم سلبا في بناء شخصيه مطهره من هذه المظاهر السلبية، وإيجابا في إنتاج مظاهر ايجابيه جديدة..
التقاء تياري التقليد والتغريب في تكريس الفهم الخاطئ للدين: ومن أسباب استمرار هذا الجهل بالدين و الفهم الخاطئ له ،أن التيار التغريبي يرى أن التقدم لا يمكن أن يتم إلا بإلغاء الدين أو تهميشه،وهو بهذا يكرس للجهل بالدين وسط المثقفين الذين من المفترض أن يكونوا طليعة المجتمع في تثقيفه، وتوعيته بالإسلام وقيمه الحضارية الإنسانية، ومحاربه الفهم الخاطئ للدين الذي يساهم في الإبقاء على واقع التخلف الحضاري، وتقديم فهم صحيح له. بالاضافه إلى أن التيار التقليدي يخلط بين الدين الصحيح وقيمه الانسانيه والحضارية والمظاهر السلبية التي افرزها واقع تخلف النمو الحضاري للمجتمعات المسلمة. وأخيرا نلاحظ ان من احد أسباب الدوران في هذه الحلقة المفرغة (التغريب والتقليد) أن من خصائص التفكير الاسطورى القبول المطلق لفكره ما والرفض المطلق لنقيضها ، وهو ما يتحقق هنا في الموقف من قيم المجتمع الحضارية، اى القبول المطلق لقيم المجتمع الحضارية (التقليد) أو الرفض المطلق لها(التغريب).
النخبوية بدلا من الطليعية: ومن هذه المظاهر السلبية اتصاف المثقفين السودانيين بالنخبوية بدلا من اتصافهم بالطليعية، اى إنه بدلاً من أن يكون المثقفين السودانيين طلائع التغيير الفكري للمجتمع السوداني بتبنيهم لنمط تفكير اجتهادى /علمي /عقلاني ، فإنهم أصبحوا انعكاسا لواقع تخلف النمو الحضاري، بتبنيهم لنمط تفكير بدعى شبه خرافى شبه اسطورى - شانهم شان باقي فئات المجتمع - مع رغبتهم فى التميز الوظيفي والاقتصادي والاجتماعي... عن هذه الفئات.
علاقة المثقف بالسلطة وضمور الدور النقدي:ومن المظاهر السلبية للمثقفين السودانيين ضمور دورهم النقدي، الذي يمثل جوهر دور المثقف في المجتمع .ودورانهم في حلقه مفرغه مضمونها القبول المطلق في حاله كونهم جزء من السلطة ، و الرفض المطلق في حاله كونهم خارج السلطة.

موقفي الرفض المطلق أو القبول المطلق للديموقراطيه: ومن معوقات استمرارية الديموقراطيه السودانية شيوع موقفي الرفض المطلق أو القبول المطلق في الفكر السياسي السوداني ، نتيجة لأسباب متعددة أهمها خضوعه لقاعدة الحصر الثنائي " بين الفكرة ونقيضها "
أولا: موقف الرفض المطلق (التقليد): ويقوم على الرفض المطلق لمفهوم " الديموقراطيه" ، اى رفض كل دلالاته ، وينطلق من موقف من التقدم الحضاري للمجتمعات المسلمة مضمونه أنه لا يمكن أن يتحقق إلا بالعودة إلى الماضي، والعزلة عن المجتمعات المعاصرة، وبمنظور علم أصول الفقه الوقوف عند أصول الدين وفروعه. وهو موقف يستند إلى العديد من الدعاوى، نعرض أدناه لبعضها ونقوم بالرد عليها.
دعوى ان مصطلح الديموقراطيه اجنبى: لا شك في أن مصطلح الديموقراطيه أجنبي. غير أنه لا حرج من استخدام اى مصطلح ، ما دام هذا الاستخدام للفظ ذو دلاله لا تتناقض مع مفاهيم وقيم وقواعد الوحي الكلية ، وهنا نستأنس بتقرير العلماء لقاعدة (لا مشاحة في الألفاظ بعد معرفة المعاني)( المستصفى: 1 / 23 ) ، وإذا كان العلماء قد أجمعوا على أنه ليس في القرآن كلام مركب على أساليب غير عربيه ،فأنهم قد اجمعوا أيضا على أن في القرآن " أسماء أعلام أعجمية " ، يقول القرطبي في مقدمة تفسيره ( لا خلاف بين الأئمة أنه ليس في القرآن كلام مركب على أساليب غير العرب ، وأن في القرآن أسماء أعلاماً لمن لسانه غير لسان العرب كإسرائيل وجبريل وعمران ونوح ) (تفسير القرطبي : 1 / 68 )
دعوى التعارض بين الشورى والديموقراطيه : يستند الفكر السياسي الاسلامى إلى مجموعه من المفاهيم المطلقة عن قيود الزمان والمكان، وبالتالي صالحه لكل زمان ومكان، أهمها مفهوم الشورى ،الذي مضمونه تبادل العلم بمشكله مشتركة، ثم تبادل المعرفة بحلولها المحتملة، وأساليب تحقيقها،ثم تعين القرار الذي يرى كل مشارك انه الحل الصحيح للمسألة، والمعرفة وذلك بالإشارة به على الآخرين، أما كيفيه قيام السلطة في زمان ومكان معينين، فقد ترك الإسلام للمسلمين أمر الاجتهاد فيها، بما في ذلك الاستفادة من إسهامات المجتمعات الأخرى ،وهنا يمكن الأخذ بالديموقراطيه كأسلوب لتبادل العلم بمشكله مشتركة، ثم تبادل المعرفة بحلولها المحتملة، وأساليب تحقيقها، هنا تكون العلاقة بين الشورى والديموقراطيه علاقة تحديد وتكامل وليست علاقة تناقض وإلغاء. .
دعوى ان الشورى معلمه وليست ملزمه : هناك مذهبين في الفكر السياسي الاسلامى الأول يرى ان الشورى ملزمه، والثاني يرى أنها معلمه. ونحن إذ نرى صواب المذهب الاول لان الأمر بالشورى ورد بصيغه الإلزام، فانه يجب ملاحظه أن إذا كان هناك وجه خطاْ في المذهب الثاني، وهو نفى صفه الإلزام عن الشورى، فان هناك وجه صواب في هذا المذهب، وهو أن هناك قضايا فنيه تستلزم راى المختصين من علماء وخبراء، وليس راى الشعب أو اغلبه لأنها غير متصلة بمشاكله ، وهى ذات صفه استشاريه غير ملزمه.
دعوى ان مصطلح الحكم فى القران يعنى السلطة : ومن هذه الدعاوى أن الديموقراطيه طبقا لأصل المصطلح تستند الحكم للشعب (حكم الشعب)،بينما القران يسند الحكم لله ، وهذه الدعوى لا تكون صحيحة إلا إذا كان لفظ ( الحكم ) الوارد في القرآن يراد به السلطة، لان المقصود بحكم الشعب في أصل المصطلح سلطه الشعب، وهذا غير صحيح ،إذا أن هذه اللفظ إذا ورد في القرآن منسوباً إلى الله تعالى فانه يعني السيادة التكليفيه والتكوينية ، وإذا ورد منسوباً إلى الإنسان فأنه يعني الفصل في الخصومات والقضاء كما في قوله تعالى قوله تعالى ﴿وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل﴾، كما يعني الحكمة النظرية كما في قوله تعالى عن يحي عليه السلام ﴿ يا يحي خذ الكتاب بقوة واتيناه الحكم صبيا﴾. أما مصطلح السلطة كما في الفكر السياسي الغربي فلم يستخدم في الفكر السياسي الإسلامي، وان اشتق من كلمة سلطان التي وردت في القرآن: ﴿ هلك عني سلطانية﴾ ﴿يا معشر الإنس والجن إن استطعتم إن تنقذوا من أقطار السماوات و الأرض فانفذوا، لا تنفذون إلا بسلطان ﴾، والمصطلح المقابل له في الفكر السياسي الإسلامي هو مصطلح ( الأمر) ومنه سمي من اسند إلية السلطة ( الأمير) و(أولي الأمر). ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ... ﴾ ( النساء: 59)، وهو المصطلح الذي استخدمه الخلفاء الراشدين والصحابة :فعند وفاة الرسول(ص) تحدث أبو بكر عن السلطة فقال " إن محمد قد مضي لسبيله ولابد لهذا الأمر من قائم يقوم به". وقال عمر بن الخطاب يصف السلطة " إن هذا الأمر لا يصلح إلا بالشدة التي لا جبرية فيها وباللين الذي لا وهن فيه"..
دعوى أن الديموقراطيه تسند ألحاكميه " السيادة /السلطة المطلقة" للشعب: بينما الإسلام – انطلاقا من مفهوم التوحيد - يسند ألحاكميه لله تعالى وحدة . غير أن هذه الدعوى تخلط بين الدلالة الخاصة المنفردة للديموقراطيه ممثله في الديموقراطيه الليبرالية، والتي لا تميز بين السيادة والسلطة- وكذا لا تميز بين التشريع والتقنين والملكية والانتفاع - وتسندهم جميعا إلى الشعب، وبين الدلالة العامة المشتركة للديموقراطيه .فالديموقراطيه لا تعنى إسناد السيادة(السلطة المطلقة) للشعب "اى تفسير حكم الشعب بأنه سيادة الشعب" إلا في الصيغة الليبرالية للديموقراطيه، والتي ظهرت في مراحل تاليه لظهور المصطلح" القرن السابع عشر". أما تفسير حكم الشعب بأنه حاكميه الشعب فغير متصور، لان الأخير هو مصطلح اسلامى، يقابل مصطلح السيادة في الفكر الغربي
دعوى أن مفهوم الاغلبيه- الذي يكمن خلف اى مفهوم ديموقراطى- يتناقض مع الإسلام من عده أوجه : وأهمها:
أولا:أن الصواب هو ما صوبه الشرع،فضلا عن أن رأى الاغلبيه قد يكون خطاْ. والرد هنا أن ترجيح رأي الأغلبية إنما يكون في فروع الدين المتغيرة ، التي ترك الإسلام للناس آمر الاجتهاد في تحديد ما هو صواب أو خطاْ فيها، وليس في أصول الدين الثابتة ، التي حدد النص ما هو صواب أو خطاْ فيها. كما أن ترجيح في الفروع ليس لان ما تراه الأغلبية هو الرأي الصحيح ، فالصحيح في الأصول والفروع هو ما يطابق الحقيقة (التكوينية أو ألتكليفيه) ، والحقيقة ذات وجود موضوعي غير متوقف علي وعي الناس، فلا وعي الأغلبية ولا وعي الأقلية دليل علي صحة أرائهم وفي هذا يستوون ، إنما يرجح رأي الأغلبية في الفروع بحكم المساواة بين البشر، والحفاظ علي وحدة المجتمع، يقول الشيخ محمد رشيد رضا (....ومنه يعلم أن ما شرعة الله من العمل برأي الأكثرية فسببه أنه هو الأمثل في الأمور العامة لا لأنهم معصومون منها ).
ثانيا:أن القرآن ذم الكثير بكونها جاهلة وضالة في مثل الآيات:﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ (يوسف: 21)، والرد أن القران ذم كثرة الكفر والضلالة، لا كثرة الإيمان التي قرر الرسول ( ) أنها لا تجمع علي ضلاله، كما أن هذا في أمور الدين لا أمور الدنيا، وبالرجوع إلى سياق الآيات التي ورد فيها ذم الكثرة والتفاسير المختلفة للآيات نجد أن المراد بالكثرة كثرة الكفر لا الإسلام ، ففي تفسير الجلالين مثلاً قوله ( أكثر من في الأرض) أي الكفار ( وعن سبيل الله) أي الدين".
ومن أدله ترجيح رأى الاغلبيه في الفروع : في السنة : في غزوة احد استشار الرسول ( ) المسلمين في الخروج لمقاتله قريش أو البقاء ،ولكن أغلبية المسلمين أبو إلا الخروج ،فاخذ الرسول برأيهم، روى الحافظ ابن كثير( وشاورهم في احد في ان يقعد بالمدينة أو يخرج إلى العدو، فأشار جمهورهم بالخروج إليهم).أما عند علماء أهل السنة : فيقول الغزالي في مسألة " إذا بويع لإمامين" (أنهم لو اختلفوا في الأمور وجب الترجيح بالكثرة... ولأن الكثرة أقوى مسلك من مسالك الترجيح).وقال ابن تيميه في مبايعة أبى بكر( وإنما صار إماما بمبايعه جمهور الصحابة).
دعوى أن اختيار الحاكم في الفكر السياسي الاسلامى يتم ببيعة أهل الحل والعقد، وهى بيعه خاصة : وهذا غير صحيح، ففي الفقه السياسي الإسلامي يتم اختيار الحاكم طبقا لبيعتان هما :
أولا: البيعة الخاصة: وهى بيعه أهل الحل والعقد ، وهي الجماعة التي لها حق البيعة الإمام من بين أعضائها، وهي تقارب ما يسمى في الفكر السياسي الحديث ( الهيئة التشريعية) التي تكون من ممثلين الأغلبية الشعب بانتخاب، والتي تتولي اختيار الحكومة (السلطة التنفيذية)، التي تكون مسئولية أمام هؤلاء الممثلين ( النظام البرلماني) . كما أن أهل الحل والعقد كانوا ممثلين لأغلبية الشعب تفويضا، وهو ما نلاحظه في جماعه المهاجرين الأولين التي تكون من عشرة كانوا يمثلون أهم البطون من القرشيين الذين هاجروا من مكة إلى يثرب ، فكان ذلك تفويضا، ولذا يجوز أن يكون اختيار أهل الحل والعقد في عصرنا بالانتخاب باعتبار ذلك وسيلة لضمان كونهم يمثلون أغلبية الجماعة، يوضح الإمام الغزالي صفات من له الحق في العقد للإمام " أن يكون مطاعا ذا شوكه... ولا تقوم الشوكة إلا بموافقة الأكثرين من معتبري كل زمان" وهذه البيعة بمثابة الترشيح.
ثانيا:البيعة العامة:إن البيعة الأولي لا تكفي وحدها، فلابد من البيعة العامة التي هي بمثابة تصديق علي الترشيح، وإكمال للعقد .يقول ابن تيمية( وكذلك عمر لما عهد إليه ابوبكر ولم يبايعوة لم يصر إمام ،وكذلك عثمان لم يصر إمام باختيار بعضهم، بل بمبايعة الناس له) ، ويقول الغزالي" ولو لم يبايع ابابكر غير عمر، وبقي كافة جميع الخلق مخالفين له لما انعقدت الإمامة )
ثانيا: القبول المطلق (التغريب) : ويقوم على القبول المطلق لمفهوم الديمقراطية ، اى قبول كافه دلالاته ، وينطلق من موقف من التقدم الحضاري للمجتمعات المسلمة مضمونه أنه لا يمكن أن يتحقق إلا باجتثاث الجذور وتبني قيم المجتمعات الغربية ، فهو موقف يستند إلى التغريب الذي مضمونه محاوله استبدال المفاهيم والقيم والقواعد الكلية التي جاء بها الإسلام، الذي يشكل الهيكل الحضاري للمجتمعات ألمسلمه، بالمفاهيم والقيم والقواعد الغربية،التي كانت محصله تطور تاريخي خاص لهذه المجتمعات لمده سبعه قرون . هذا الموقف إذا يخلط بين الديموقراطيه كنظام فني لضمان سلطه الشعب ضد استبداد الحكام،قد يكون صالح للتطبيق في كل المجتمعات، بشرط مراعاته لخصوصية كل مجتمع، والليبرالية كفلسفة ومنهج ومذهب نشا ضمن سياق تاريخي خاص بالمجتمعات الغربية.
الاكتفاء بمعيار الاغلبيه وتجاهل معيار التوافق: ومن معوقات استمرارية الديموقراطيه السودانية، اكتفائها بمعيار الاغلبيه وتجاهلها لمعيار التوافق، نتيجة لأخذها بالصيغة الليبرالية للديموقراطيه ، وكون الليبرالية واستنادا إلى اعتمادها المطلق على مفهوم الاغلبيه، لم تميز ابتداء بين نوعين من أنواع الاغلبيه: أولا:الاغلبيه المتغيرة : وهى الاغلبيه السياسية إلى تحدث في مجتمع متجانس اجتماعيا ودينيا ... وفى ظلها يمكن أن تحصل الاقليه (المتغيرة) على اغلبيه، فتتحول من المعارضة إلى الحكم . ثانيا: الاغلبيه الثابتة: وهى الاغلبيه العرقية أو الدينية ...التي تقابلها اقليه ثابتة اى عرقيه أو دينيه... ولا توجد أمكانيه لتحولها إلى اغلبيه، وبالتالي لا يوجد ضمان لعدم قهرها بواسطة الاغلبيه، وهو ما حدث فعلا في كثير من المجتمعات التي تبنت الديمقراطية الليبرالية. ولم يتمكن مفكري الليبرالية من حل هذه المشكلة إلا بإقرارهم ضرورة تقرير حقوق الاقليه على المستوى الدستوري ضمانا لعدم إهدارها بواسطة الاغلبيه، في ما أسموه "الديمقراطية التوافقية".
الاكتفاء بمعيار التمثيل وتجاهل معيار المباشرة: ومن معوقات استمرارية الديموقراطيه السودانية، اكتفائها بمعيار التمثيل وتجاهلها لمعيار المباشرة ، نتيجة لأخذها بالصيغة الليبرالية للديموقرطيه ، وهى صيغه للديمقراطية غير المباشرة (التمثيلية)، ظهرت في مرحله تاريخيه لاحقه للديموقراطيه المباشرة، وهى صيغه للديمقراطية يمارس فيها الشعب السلطة بشكل مباشر بدون نواب ينوبون عنه.
دور الجيش في الحياة السياسية بين الإلغاء "الليبرالي " ، والإطلاق "الاستبدادي" : ومن معوقات استمرارية الديموقراطيه السودانية، شيوع موقفين من دور الجيش في الحياة السياسية في الفكر السياسي السوداني وهما: أولا: إلغاء اى دور للجيش في الحياة السياسية ،ويستند إلى المفهوم الليبرالي للديموقراطيه، اتساقا مع سلبية الدولة بالنسبة للممارسة الديمقراطية في هذا المفهوم . ثانيا: إطلاق دور الجيش إلى درجه إلغاء الديموقراطيه.
الخلط بين الديموقراطيه والليبرالية : ومن معوقات استمرارية الديموقراطيه السودانية شيوع - ليبرالي في جذوره الفكرية - يقوم على الخلط بين الديموقراطيه كنظام فني لضمان سلطه الشعب ضد استبداد الحكام،قد يكون صالح للتطبيق في كل المجتمعات، بشرط مراعاته لخصوصية كل مجتمع، والليبرالية كفلسفة ومنهج ومذهب نشا ضمن سياق تاريخي خاص بالمجتمعات الغربية.
اتخاذ موقف القبول المطلق لأركان الليبرالية كمذهب(الراسماليه/العلمانية/ الديموقراطيه/الفردية): ويستند الموقف السابق إلى موقف يقوم على القبول المطلق لأركان الليبرالية كمذهب "اى :الراسماليه/العلمانية/ الديموقراطيه/الفردية).
ثانيا:آليات ضمان استدامة الديموقراطيه السودانية: أما آليات ضمان استدامة الديموقراطيه السودانية فتتمثل في الاتى:
حل مشكله التخلف الديموقراطى: مساهمة الجميع في حل مشكلة التخلف الديمقراطي، بتشجيع الممارسة الديمقراطية على أوسع نطاق. وان تكون وسائل ممارسة الديمقراطية إحدى الخدمات التي تقدمها الدولة (تشجيع العمل الاجتماعي ودعمه وتسهيل ممارسته..).

التمييز بين الدولة والنظام السياسي"الحكومة":باعتبار أن الدولة ومؤسساتها ملك للشعب وليست ملك لنظام سياسي معين.والشعب باقي أما النظم السياسية فزائلة مهما تطاول استمرارها في الوجود.
التحرر من الشكل الليبرالي للأحزاب :وتحول الأحزاب إلى طلائع للتغيير لما فيه صالح الشعب ،وليس نخب معزولة، عنه تسعى لتحقيق مصالحها الخاصة على حساب مصالح الشعب.
تجاوز القبلية: هنا يجب أولا التمييز بين القبلية بمعناها الايجابي اى كعلاقة انتماء إلى القبيلة كوحدة تكوين اجتماعي،والقبلية بمعناها السلبي،اى محاوله العودة إلى الطورالقبلى كطور تكوين اجتماعي تجاوزه التطور الاجتماعي،وإذا كانت الاخيره قد نشأت نتيجة لتخلف النمو الاجتماعي والحضاري للمجتمعات المسلمة، كمحصله لعوامل متفاعلة، فان تجاوزها لا يمكن ان يتحقق إلا من خلال العمل على إلغاء هذا التخلف في النمو الاجتماعي و الحضاري ، بإلغاء العوامل التي أدت إلى حدوثه، بالاضافه إلى نشر الوعي الاجتماعي،مع ملاحظه ان الوعي اشمل من التعليم، فالتعليم هو شرط للوعي وليس هو الوعي.
تجاوز الطائفية: ليس المقصود بهذا التجاوز إلغاء الطائفة باعتبارها جزء من كل"وطني أو قومي أو ديني"، بل إلغاء اعتبار الطائفة كل قائم بذاته ، مستقل عن غيره ومتميز عنه ، وهو ما يتحقق يتحقق من خلال نشر الوعي الاجتماعي والديني
إكمال انجاز التغيير الفكري: انجاز التغيير الفكري سلبا بمحاربة التفكير البدعى شبه الخرافي وشبه الأسطوري ، وإيجابا بإنتاج ونشر التفكير الاجتهادي والعلمي والعقلاني.
ويتضمن ذلك اضطلاع المثقفين السودانيين بدورهم التنويري النقدي، وعدم فرض وصايتهم على الشعب ، وذلك بالالتزام بالاتي:
أولا:التمييز ببين نوعين من أنواع المشاكل :
أولا : مشكلات التنمية : وهى المشكلات المتجددة التي يعانيها الشعب وهو يحاول أن ينتج من الامكانيات المتاحة ما يشبع به حاجاته المتجددة...ومصدر معرفتها هو الشعب نفسه
ثانيا: مشكلات التقدم : وهى التي تتعلق بالعقبات التي تحول بين الشعب وحل مشكلات النوع الأول من المشاكل ، و مصدر معرفتها هو الواقع الموضوعي والقوانين الموضوعية (السنن الالهيه) التي تضبط حركته...
ثانيا: الإقرار أن دور المثقفين هو تحديد الصيغة السليمة للعلاقة بين علاقات الانتماء المتعددة للشعب السوداني(الوطنية"السودانية"، القومية"العربية"،الدينية"الاسلاميه"،الجغرافية القارية"الافريقيه"...) ، ولا يتجاوزه إلى إيجاد أو إلغاء هذه العلاقات.
تجاوز موقفي الرفض المطلق أو القبول المطلق للديموقراطيه إلى موقف نقدي منها: تجاوز موقفي الرفض أو القبول المطلقين لمفهوم الديموقراطيه، إلى موقف نقدي يقوم على التمييز بين دلالتي المفهوم ، فالإسلام لا يتناقض مع الدلالة العامة المشتركة لمفهوم الديمقراطية، اى ان يكون التنظيم القانوني للمجتمع متفقا مع ما يريده الناس فيه،وهو ما يتحقق من خلال الديموقراطيه كنظام فني لضمان سلطه الشعب ضد استبداد الحكام.أما الدلالة الخاصة المنفردة للمفهوم اى الديموقراطيه الليبرالية ، فيقوم الموقف الصحيح منها على اخذ وقبول ما لا يناقض أصول الدين وواقع المجتمعات المسلمة، ورد ورفض ما يناقضهما . هذا الموقف يقوم على قبول مفهوم الديموقراطيه بعد تقييده بالمفاهيم والقيم والقواعد الكلية للمنظور السياسي الاسلامى"كالشورى والعدل والمساواة...."،والتي هي بمثابة ضوابط موضوعيه مطلقه للتنظير والممارسة السياسية تحدهما كما يحد الكل الجزء ولكن لا تلغيهم ..
الجمع بين معياري الاغلبيه والتوافق : وذلك بالتوافق على صيغه للحكم تجمع بين حكم الاغلبيه،وإقرار دور فاعل لكافه مكونات المجتمع : الاجتماعية "ومن ضمنها المراْه"، والدينية والعرقية " ومن ضمنها الأقليات الدينية والعرقية"، والوظيفية "ومن ضمنها الجيش"... وحفظ حقوق هذه المكونات على المستوى الدستوري
الجمع بين معياري التمثيل و المباشرة : وذلك بالأخذ بالديموقراطيه المباشرة في الوحدات السياسية الصغيرة كمجالس الأحياء، والأخذ بالديموقراطيه غير المباشرة " النيابية"في الوحدات السياسية الكبيرة "كالبرلمان " . والأخذ بالتطبيقات السياسية المعاصرة للديموقراطيه المباشرة، التي يمكن تطبيقها في الوحدات السياسية الكبيرة ، ومنها :أولا:الاستفتاء: تمكن الاستفتاءات المواطنين من رفض أي قانون أو تشريع غير مرغوب ، ثانيا: الاستدعاء: توفر الاستدعاءات إمكانية إقالة أي مسئول رسمي (حكومي) قبل انتهاء ولايته, حيث يعتبر المسئولون عملاء تنفيذيين، أو ممثلين مباشرين (مفوضين) ملتزمين بإرادة الشعب، ثالثا: المبادرة: تسمح المبادرات باقتراح مشاريع قوانين تقدمها الجماهير .
دور وطني ديموقراطى للجيش في الحياة السياسية: وذلك خلال الجمع بين معياري الاغلبيه والتوافق (الديموقراطيه التوافقية)، وذلك بالتوافق على صيغه للحكم تجمع بين حكم الاغلبيه،وإقرار دور فاعل لكافه مكونات المجتمع : ومن ضمنها الجيش... وحفظ حقوق هذه المكونات على المستوى الدستوري
التمييز بين الديموقراطيه والليبرالية: . هذا الموقف يقوم على التمييز بين الديقراطيه والليبرالية ،والتحرر من الخلط بينهما ،وهو ما بتحقق عمليا من خلال تخليص الديمقراطية من الليبرالية كفلسفة ومنهج وأسلوب حياه شامل (رأسمالي، فردي، علماني..) وذلك بالديمقراطية ذاتها لا بإلغاء الديمقراطية. مع وجوب ملاحظة أن الديمقراطية كنظام غير مقصورة على نموذج واحد، ومع وجوب مراعاة الظروف الخاصة بكل مجتمع.
الديموقراطيه والواقع الحضاري : وهنا يجب ملاحظه أن كون الديموقراطيه هي أسلوب حل المشاكل الاجتماعية لا يعنى هذه أن المشكلات ستحل تلقائيا بمجرد الالتزام بالديموقراطيه – كما يلزم من المفهوم الليبرالي للديموقراطيه-. إنما يعني فقط أنها أصبحت قابلة للحل. أما حلها فعلا فيتوقف على مدى كفاءة الناس في كل مجتمع على حدة: التقدم الثقافي والتقدم العلمي والتقدم الفني. وتلك عناصر تتحدد تبعا للواقع الحضاري في كل مجتمع في كل مرحلة تاريخية معينة.. ومن هنا تدخل الثقافة والعلم والفن (التكنيك) عناصر لازمة لإمكان التطور في ظل الديمقراطية، وفي ظلها فقط. اى أن كل تلك العناصر الحضارية لا تجد فرصة إثمارها الاجتماعي إلا في ظل الديمقراطية(د.عصمت سيف الدولة، المرجع السابق).
اتخاذ موقف نقدي من أركان الليبرالية كمذهب(الراسماليه/العلمانية/الديموقراطيه /الفردية).
أولا: العلمانية "الفصل بين الدين والدولة ": من أركان الليبرالية كمذهب العلمانية، فالليبرالية علمانيه في موقفها من الدين.
تعريف العلمانية : مصطلح "العلمانية " هو ترجمه عربيه لمصطلح (Secularism )، والذي هو صيغه نسب لكلمه ( Secular )، والتي تعنى في اللغة اللاتينية الدنيا أو العالم ، فالأصل اللاتيني لمصطلح العلمانية يفيد أذا معنى ما هو دنيوي مقابل ما هو ديني ، ورغم ما يدخل في تركيب كلمه العلمانية من حروف كلمه العلم، إلا انه لا علاقة بين العلمانية نزعه والعلم منهاجا، والأصل اللاتيني للترجمة العربية ينفى مثل هذه الصلة (د. عصمت سيف الدولة ، عن العروبة والإسلام ، ص187)، فالأولى أصلها اللاتيني ( Secular )، بينما الثانية أصلها (science) . أما اصطلاحا فان العلمانية هي نزعه تعمل على الفصل بين الدين"ممثله في السلطة الدينية" والدولة "ممثله في السلطة السياسية" . وإذا كان ما سبق من حديث يتصل بالدلالة ألعامه -المشتركة لمصطلح علمانيه وهى دلالته الأصلية – التاريخية ، فقد اكتسب المصطلح لاحقا دلالات خاصة- منفردة متعددة، ومنها أن العلمانية هي فصل الدين عن السياسة"السلطة السياسية" ،وليس الدولة "ميشيل عفلق"
شكلي العلمانية:
العلمانية المسيحية " ذات الأساس الديني": وقد كانت العلمانية في الأصل جزء من الديانة المسيحية، استنادا إلى قول المسيح (عليه السلام) " أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله " (متى 17: 21) .وهنا يمكن الحديث عن احد أشكال العلمانية وهو العلمانية المسيحية، وهى علمانيه ذات أساس ديني للاتي ا/ لأنها احد مبادئ الديانة المسيحية ، وردت الاشاره إليه في العديد من النصوص المسيحية،وله تطبيقات كثيرة في هذه الديانة، ب/ لان المسيحية ديانة تعنى بالعلاقة بين الإنسان-الفرد- وربه، وتركز على العقائد والعبادات والقيم الاخلاقيه والروحية "ذات طابع فردى "اى تنظم العلاقة بين الأفراد" ولكنها لا تتضمن تشريعات ذات الطابع الاجتماعي " اى تنظم حركه المجتمع " – كما في الديانة الاسلاميه مثلا- وما أطلق عليها اسم "تشريعات مسيحيه " هي من وضع الكنائس المسيحية المتعددة في مراحل متاجره،ج/ رغم أنها ترى جسد الإنسان يجب أن يخضع لسلطه الحاكم ، لكنها ترى في ذات الوقت أن روحه يجب أن تخضع لسلطه المسيح- تلاميذ المسيح – الكنيسة..
العلمانية الليبرالية"الطبيعية – الغير دينيه": وقد تحولت العلمانية إلي تيار فكرى معين، ظهر في مرحله معينه من مراحل التاريخ الاوربى ، تحول إلي ثوره ضد تدخل الكنيسة في الحكم، انتهى إلي أقامه نظام متكامل للحياة ، هو النظام الليبرالي التي تشكل العلمانية احد أركانه، كان محصله عوامل ثقافية ونفسيه وتاريخية وحضارية سادت أوربا نحو سبعه قرون . وهنا يمكن الحديث عن شكل آخر للعلمانية وهو العلمانية الليبرالية ، اى التي تشكل احد أركان النظام الليبرالي الاربعه "بالاضافه إلى الراسماليه والفردية والراسماليه " . وهى علمانيه طبيعيه- غير دينيه، اى تنطلق من فكره "القانون الطبيعي "، والتي مضمونها ( أن مصلحه المجتمع ككل ستتحقق حتما من خلال سعى كل فرد لتحقيق مصلحته الخاصة ) – التي يستند إليها المنهج اللييرالى – لتقول بعدم تدخل الدولة في النشاط الديني والحياة الدينية للمجتمع – ليصبح النشاط الديني بذلك مقصورا على الأفراد – وتقول بوجوب خضوع جسد الإنسان للسلطة السياسية ، أما روحه فحرة حرية مطلقه ، اى تقوم على أساس حرية الاعتقاد المطلقة ولست المقيده ، اى للإنسان مطلق الحرية في اختيار اى اعتقاد ديني"مسيحي أو خلافه"، أو لا ديني "الإلحاد أو الشك.."
المواقف المتعددة من العلمانية : وقد تعددت المواقف من العلمانية في المجتمعات المسلمة ، غير أن هناك ثلاثة مواقف أساسيه منها وهى :
أولا : موقف القبول المطلق :اى قبول العلمانية دون تمييز بين دلالاتها المتعددة، وأشكالها المختلفة ، و سلبياتها وايجابيتها .
التغريب: كما سبق الاشاره فان أن العلمانية "الليبرالية" هي احد أركان النظام الليبرالي ، كنظام متكامل للحياة ، كان محصله عوامل ثقافية ونفسيه وتاريخية وحضارية سادت أوربا نحو سبعه قرون. بناءا على هذا فان موقف القبول المطلق للعلمانية هو شكل من أشكال التغريب الذي مضمونه أن تستبدل المفاهيم والقيم والقواعد الاسلاميه (التي تشكل الهيكل الحضاري للمجتمعات المسلمة ) بالمفاهيم والقيم والقواعد الغربية، لتحقيق قدر من الشعور المستقر بالانتماء إلى الحضارة الغربية .
ثانيا :موقف الرفض المطلق: اى رفض العلمانية دون تمييز بين:أولا دلالاتها المتعددة "دلالتها الاصليه –التاريخية"العامة – المشتركة"(فصل الدين عن الدولة) ودلالاتها اللاحقة ،ثانيا: أشكالها المختلفة "العلمانية المسيحية ذات الأساس الديني"قول المسيح أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله " و العلمانية المسيحية ذات الأساس الطبيعي الغير ديني، ثالثا: سلبياتها التي تتناقض مع الإسلام كالدين ومنها إقصاء واستبعاد الدين عن الحياة العامة وقصره على الحياة الخاصة... و ايجابياتها التي تتسق مع الإسلام كدين : ومنها تقرير مدنيه السلطة ورفض الكهنوت والثيوقراطيه..
التكفير:هذا الموقف يقوم على تكفير كل من يتبنى أو يدعو إلى العلمانية في المجتمعات المسلمة .هذا الموقف يواجه عده إشكاليات ومنها:
أولا:عدم التمييز بين عله منع شكلي العلمانية : أن هذا الموقف لا يميز بين عله المنع في الشكل الأول من أشكال العلمانية "العلمانية المسيحية" ممثله في قول المسيح (عليه السلام)(أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله)، وهى أنها من شرع من قبلنا الذي يخالف شرعنا –لان شرعنا يتضمن تشريعات كليه تشمل كافه مناحي الحياة- وهنا لا يجوز أن يقترن المنع بالتكفير" لان هذا طعن في الأنبياء السابقين، فعدم عملنا بشرائعهم لا يعنى إنكارنا عملهم بشرائعهم – وعله المنع في الشكل الثاني من أشكال العلمانية "العلمانية الليبرالية"-وهى أن أساسها طبيعي – لا دينى- وهنا يجب على من أراد أن يقرن المنع بالتكفير أن يلتزم بضوابط التكفير الشرعية .
ثانيا:عدم الالتزام بضوابط التكفير الشرعية : أن هذا موقف لا يلتزم بضوابط التكفير التي قررتها النصوص وأكد عليها علماء الإسلام ومنها قاعدة"التكفير على العموم أما المعين فيتوقف تكفيره على استيفاء الشروط وانتفاء الموانع" بمعنى جواز القول بان المذهب المعين أو القول المعين هو كفر، أما الشخص المعين فلا يجوز القول بكفره إلا بعد استيفائه شروط التكفير وانتفاء موانعه عنه، والدليل على ذلك أن الرسول () لعن شارب الخمر على العموم، ولما جلد رجلاً شرب الخمر قام رجل فلعنه فقال () (لا تلعنوه فو الله ما علمت إلا أنه يحب الله ورسوله) (رواه البخاري)، فوجد الرسول() مانع من اللعن العام وهو محبته لله والرسول .يقول ابن تيمية ( إن التكفير العام يجب القول بإطلاقه وعمومه، وأما الحكم على المعين بأنه كافراً أو مشهود له بالنار، فهذا يقف على الدليل المعين، فإن الحكم يقف على ثبوت شروطه وانتفاء موانعه) (ابن تيمية، الفتاوى، الفتاوى ،مجلد 12، ص22) .وتطبيقا لهذه القاعدة فانه إذا كان من الجائز القول بتضمن مذهب العلمانية أو بعض مذاهبها لمفاهيم كفريه- وهو قول مقصور على العلماء – فانه لا يجوز أن القول أن الشخص المعين "العلماني " كافر إلا بعد استيفائه شروط التكفير وانتفاء موانعه عنه.
ثالثا :عدم التمييز بين أنواع عدم الالتزام بالشرع : أن هذا الموقف يحكم بكفر العلمانيين لأن تعريفه للعلمانية هو عدم الالتزام بالشرع ، ولكنه لا يميز بين أنواع عدم الالتزام بالشرع ، وهو ما يخالف أصل من أصول الفكر السياسي السني – وهو وجوب التمييز بين نوعين من أنواع عدم الالتزام بالشرع :الأول هو عدم الالتزام بالشرع مع الإقرار به، وحكمه انه ظلم او فسق، والثاني: عدم الالتزام بالشرع مع إنكاره ،وحكمه انه كفر بدليل قوله تعالى ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون ) [5 /المائدة /45]، وقوله تعالى ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون ) [5 المائدة /47]، وَقوله تعالى (مَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ )، وقد روى علي بن أبي طلحة ،عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى" وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ" قال ( من جحد ما أنزل الله، فقد كفر، ومن أقرّبه، لم يحكم به فهو ظالم فاسق) (أخرجه الطبري في جامع البيان بإسناد حسن/ سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني /ذكره أبو عبد الله بن بطة في الإبانة الحكم بغير ما أنزل الله)، ولذا ينسب لابن عباس في رده على الخوارج " إنه ليس الكفر الذي تذهبون إليه، إنه ليس كفراً ينقل عن الملة: كفر دون كفر"
رابعا:استبعاد المبرر الحضاري لرفض العلمانية : أن هذا الموقف يحصر رفض العلمانية للمبرر الديني ، ويستبعد رفضها لمبرر حضاري أيضا وهو أنها شكل من إشكال التغريب ،لأنه يقصر الإسلام على الدين، بينما الإسلام دين وحضارة.
ثالثا : الموقف النقدي : وهو الموقف الذي يقوم على التمييز بين الدلالات المتعددة لمصطلح العلمانية ، حيث أن للمصطلح دلاله أصليه – تاريخيه واحده – هي فصل الدين عن الدولة ، كما أن له دلالات لاحقه – خاصة متعددة ، وبالتالي فان رفض الدلالة الاصليه التاريخية"العامة المشتركة" للمصطلح، لا يترتب عليه رفض أو قبول دلالاته اللاحقة" الخاصة المنفردة" إلا بعد تقييمها.كما يقوم هذا الموقف على التمييز بين سلبيات للعلمانية التي تتناقض مع الإسلام كالدين ومنها إقصاء واستبعاد الدين عن الحياة العامة وقصره على الحياة الخاصة... و ايجابياتها التي تتسق مع الإسلام كدين : ومنها تقرير مدنيه السلطة ورفض الثيوقراطيه... يقول المفكر الاسلامى احمد كمال أبو المجد انه يجب تحليل المكونات المختلفة للعلمانية " إذ أن فيها عناصر لا نعتقد أنها تتعارض بالضرورة مع الإسلام ، كاعتبار السلطة السياسية ذات أساس مدني مستمد من رضا المحكومين، ونفى الصفة الثيوقراطيه عنها ،وكالتسليم بحق أتباع الديانات المختلفة في ممارسه شعائرهم الدينية بحريه، إلا إذا صادمت ما يعرف بالنظام العام والآداب العامة، وهى فكره ترتبط بالدولة ولا ترتبط بالإسلام ، أما فصل الدين عن الوله، بمعنى إقصاء الدين عن أن يكون له دور في تنظيم أمور المجتمع فإنها المكون الرئيسي من مكونات العلمانية الذي لا يسع مسلما قبوله " (احمد كمال أبو المجد، نحو صيغه جديدة للعلاقة بين القومية العربية والإسلام،مجله المستقبل العربي ،العدد26 – ابريل1981 ، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت ، ص115)
المنظور السياسي الاسلامى وتجاوز الثيوقراطيه والعلمانية: والمنظور السياسي الاسلامى يتجاوز كل من الثيوقراطيه والعلمانية، لأنه يجعل علاقة الدين بالدولة علاقة وحدة وارتباط (وليست علاقة خلط أو تطابق كما في الثيوقراطيه )، لان السلطة في الإسلام مقيده بمفاهيم وقيم قواعد كليه ، مصدرها النصوص اليقينية الورود القطعي الدلالة "كالشورى والعدل والمساواة....كما يجعل العلاقة بين الدين والدولة علاقة تمييز( وليست علاقة فصل كما في العلمانية) لان الإسلام ميز بين التشريع كوضع الهي ثابت والاجتهاد ككسب بشرى متغير. كما المنظور السياسي الاسلامى يقوم على مدنيه السلطة (وليس التشريع كما في العلمانية) " لان الحاكم في المنظور السياسي الاسلامى نائب ووكيل عن الجماعة، لها حق تعيينه ومراقبته وعزله إذا جار" ، كما يقوم على دينيه التشريع " على مستوى أصوله " (وليس السلطة كما في الثيوقراطيه) ، "باعتبار أن قواعد الشريعة الاصوليه هي المصدر الرئيسي للتشريع ".
ثانيا:الراسماليه "الاقتصاد الحر": ومن أركان الليبرالية كمذهب النظام الاقتصادي الراسمالى، الذي يطلق عليه اسم الاقتصاد الحر، فهذا النظام الاقتصادي هو محصله تطبيق الليبرالية كفلسفة ومنهج في الاقتصاد،ومضمون هذا النظام الاقتصادي ترك النشاط الاقتصادي لآليات السوق "العرض والطلب،المنافسة الحرة،الربح..."دون تدخل الدولة كممثل للمجتمع ،فدورها يقتصر على توفير الأمن الداخلي والخارجي،وتستند الراسماليه إلى مفهوم الملكية الخاصة الذي مضمونه (حق التصرف المطلق في المال )،والمأخوذ من القانون الروماني.
تقويم:
تناقض النظام الاقتصادي الراسمالى مع المنظور الاقتصادي الاسلامى:
ا/التناقض العقدي: يتعارض النظام الراسمالى مع الفلسفة ألاقتصاديه الاسلاميه لأنها تنطلق من مبدأ إسناد ملكية المال لله تعالى وحده ، ﴿ وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ ﴾(النور: 33)، والمقصود بالملكية هنا حق التصرف المطلق بالمال ،وهو ما يقارب مفهوم الملكية الخاصة في الراسماليه ، وبناءا على هذا فان الفلسفة الاقتصادية الإسلامية ترفض إسناد الملكية (حق التصرف المطلق بالمال) إلى غيره تعالى ، لان ذلك الإسناد هو شكل من أشكال الشرك" الاعتقاد او العملي" في الربوبية ،يقول تعالى﴿ وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ ﴾ (إلا سراء: 111).
نقد مذهب إقرار الإسلام للملكية الخاصة: وهناك مذهب في الفكر الاقتصادي الاسلامى المعاصر يرى ان الإسلام يقر الملكية الخاصة، كما فى الفلسفة الاقتصادية الليبرالية والنظام الاقتصادي الراسمالى، ووجه الخطأ في هذا المذهب انه يخلط بين الملكية الخاصة المتعلقة بوظيفة الملكية، التي مضمونها حق المالك فى التصرف المطلق بالمال(كما فى الاقتصاد الراسمالي )، والملكية الفردية المتعلقة بالشكل القانوني للملكية، والتي مضمونها حق الفرد في التصرف المقيد بالمال(كما فى اقتصاد الاسلامى )
مذهب الملكية الفردية ذات الوظيفة الاجتماعية: أما ألملكيه الفردية كشكل القانوني للملكية، مضمونه حق الفرد في التصرف المقيد بالمال، فقد اقرها الإسلام ، لكن على وجه يتسق مع تصور خاص للملكية الاجتماعية كتحديد لوظيفة الملكية، اى لصاحب الحق فى القرار الاقتصادي بالنسبة للشيء المملوك، ومضمونها ان القرار الاقتصادي أصلا من حق المجتمع، بالتالي فان القرار الاقتصادي للمالك يجب ان لا يتناقض مع مصلحته، وعلى وجه يتناقض مع الملكية الخاصة كتحديد اخر لوظيفة الملكية، اى لصاحب الحق فى القرار الاقتصادي بالنسبة للشيء المملوك،ومضمونها حق المالك فى اتخاذ القرار الاقتصادي بالنسبة إليها دون المجتمع ،اى وان تعارض مع مصلحه المجتمع. وهذه الملكية الفردية ذات الوظيفة الاجتماعية تتمثل في تقرير الفلسفة الاقتصادية الاسلاميه أن الجماعة هي المستخلفة أصلا عن الله تعالى مالك المال في الانتفاع به ، أما الفرد فنائب ووكيل عنها فى الانتفاع به، يقول تعالى: ﴿وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه﴾(الحديد: 7).
تناقض اولويه الفرد والقطاع الخاص مع مبدأ أن الجماعة هي المستخلفة – أصلا- في الانتفاع بالمال : كما ان الفلسفة الاقتصادية الاسلاميه قائمه على مبدأ استخلاف الجماعة في الانتفاع بالمال، اى ان الجماعة هي المستخلفة عنه تعالى أصلا في الانتفاع بالمال، على الوجه الذي يحدده ملك المال تعالى المنزه عن الانتفاع به ، أما الفرد فنائب وكيل عنها فى الانتفاع به، يقول تعالى: ﴿وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه﴾ الحديد: 7). ...وهذا المبدأ يتناقض مع اولويه الفرد على الجماعة ، والقطاع الخاص على القطاع العام في سياسة التحرير الاقتصادي كتطبيق للنظام الاقتصادي الراسمالى.
ب/ التناقض القيمى والحضاري: كما أن هناك تناقض قيمي وحضاري بين النظام الاقتصادي الراسمالى والقيم الدينية والحضارية الاسلاميه، حيث أن هذا النظام الاقتصادي هو تنظيم للتمرد على القيم الدينية و الحضارية المشتركة للشخصية المسلمة، وأولاها قيمه المشاركة الحضارية،حيث إن علاقات الإنتاج في ظل هذا النظام الاقتصادي تصبح مصدر للانانيه والفردية التي تتحول من خلال أطرادها إلى قيمه اجتماعيه تفسد عن طريق عن العدوى بالتفاعل باقي القيم الحضارية للشخصية المسلمة في الاسره (المشاكل الاسريه، التفكك الأسرى، ارتفاع نسبه الطلاق,...) في العلم( تحول العلم إلى تجاره) في الفكر( اتخاذ المفكرين لموقف الدفاع عن الواقع ، بدلا من اتخاذ موقف الدعوة إلي تغييره بتقديم حلول للمشاكل التي يطرحها..) في الأخلاق( التدهور الاخلاقى في كافه مجالات الحياة)... الخ نرى الأثر المخرب للقيم الراسماليه: الفردية التي تتقدم على أشلاء الآخرين ،والنظام الراسمالى بحكم طبيعته نظام استغلالي، ولا يمكن لاى إنسان في ظل الراسماليه إلا إن يكون طرفا في علاقة استغلالية مستغلا أو ضحية استغلال بشكل مباشر أو غير مباشر ،إزاء هذا لا تجدي النصائح والوعظ المثالي وحسن النية، بل أن حسنى النية هم ضحايا جاهزة للاستغلال، ولا يمكن إلغاء الاستغلال وباقي القيم السلبية إلا بالعمل على مقاومه النظام الاقتصادي الراسمالى الذي يكرس للمربع المخرب(الفقر والجهل والمرض و البطالة) و يفرز هذه القيم السلبية، واقامه نظام اقتصادي يعبر عن القيم الحضارية للشخصية المسلمة ،و يهدف إلى تحقيق مصلحه المجتمعات المسلمة ككل
الأزمات ألاقتصاديه العالمية مؤشرات على انهيار النظام الراسمالى: إن الأزمات الاقتصادية العالمية المتعاقبة ، هي مؤشرات على انهيار النظام الاقتصاد الراسمالى ،على المستويين النظري والعملي، فهذه الأزمات ليست أزمات ماليه بحته، بل هى أزمات اقتصاديه ترجع جذورها إلى صميم النظام الاقتصادي الرأسمالي المستند إلى الليبرالية كمنهج والقائلة بان" مصلحه المجتمع ككل ستتحقق حتما من خلال محاوله كل فرد تحقيق مصالحه الخاصة" ،اى النظام الاقتصادي القائم على عدم تدخل الدولة كممثل للمجتمع ،وهو ما اثبت واقع المجتمعات الاوربيه ذاته خطاه ،إذ قبل أن ينتهي القرن التاسع عشر حتى كانت ضرورة تدخل الدولة مسلمه في كل المجتمعات الاوربيه، وان اختلفت في مدى هذا التدخل. إلا انه بعد انهيار الكتلة الشرقية وظهور نظام عالمي أحادى القطب ممثلا في الولايات المتحدة ظهرت الدعوات التي تشكك في ضرورة تدخل الدولة وهذه الدعوات شكلت الأساس الايديولوجى للازمات الاقتصادية المتعاقبة الاخيره. فهذه الأزمات الاقتصادية المتعاقبة الاخيره هي مؤشر لبداية نهاية النظام الاقتصادي الراسمالى العالمي على ارض الواقع ، فتاريخ النظام الاقتصادي الراسمالى هو تاريخ النمو من خلال الأزمات التي تكاد تتكرر بصوره دوريه،والأزمات المتعاقبة الاخيره هي احد هذه الأزمات الدورية ،والتي يتم تجاوزها دائما من خلال تدخل الدولة، اى من خلال نفى الأساس الفكري الايديولوجى الذي يستند إليه النظام الاقتصادي الراسمالى. اى أن هذه الأزمات الاقتصادية هي تأكيد على انهيار الأساس الفكري للنظام الاقتصادي الراسمالى،رغم استمراره في الواقع، غير أن هذه الاستمرارية في الواقع أصبحت في الفترة الاخيره متعثرة ، نسبه لتقارب فترات الأزمات ألاقتصاديه، ولضخامة حجمها.
ثالثا: الديموقراطيه"المفهوم الليبرالي للديموقراطيه": من أركان الليبرالية كمذهب الديموقراطيه الليبرالية، فالليبرالية ديمقراطيه "ليبراليه" في موقفها من السياسة والدولة .
تعدد دلالات مصطلح الديموقراطيه: و لمصطلح الديموقراطيه – ككل المصطلحات – دلالات متعددة،وطبقا لهذا التعدد الدلالي فان لمصطلح الديموقراطيه دلالته العامة " اى المصطلح كمفهوم مجرد" ، المشتركة "اى المعنى الذى تشترك في فهمه كل الفلسفات والمناهج" ،هذه الدلالة تتصل بالأصل الاغريقى للمصطلح والذي ترجمته حكم- سلطه- الشعب ، ومضمونها " أن يكون التنظيم القانوني للمجتمع متفقا مع ما يريده الناس فيه"( د.عصمت سيف الدولة، الطريق، ج 2، ص 93)، وطبقا لهذا المضمون فان الديمقراطية منهجيا هي أسلوب المجتمعات في حل مشكلاتها، من خلال حرية الرأي للجميع، حرية التفكير للجميع، عمل الجميع في تنفيذ رأي الأغلبية، مع احترام حرية المعارضة. وفنيا هي نظام فني لضمان سلطه الشعب ضد استبداد الحكام...كما ان لمصطلح الديموقراطيه دلالته الخاصة " اى ما يكتسبه المصطلح من معنى كمحصله لتطبيقه في واقع اجتماعي معين زمانا ومكانا ، المنفردة "اى المعنى الذى تنفرد بفهمه فلسفه ومنهج معينين "، ومثال لهذه الدلالة الديموقراطيه الليبرالية من حيث هي محصله تطبيق مفهوم الديموقراطيه في واقع المجتمعات الغربية منذ القرن السابع عشر، وطبقا للمعنى الذى تنفرد بفهمه الليبرالية كفلسفة ومنهج معرفه . ان شيوع الديمقراطية الليبرالية او الشكل الليبرالي للديمقراطية ، كمحصله لعوامل تاريخيه معينه" الاستعمار، التغريب، انهيار الكتلة الاشتراكية..." لا يلغى حقيقة ان الديمقراطية الليبرالية هي دلاله خاصة منفردة لمصطلح الديمقراطية يدل على هذا:أولا: ان الديمقراطية الليبرالية ظهرت تاريخيا في مرحلة تاريخية لاحقة، بدأت في القرن السابع عشر وما تزال قائمة لم تنقض تماما.ثانيا: قبل ظهور الديموقراطيه الليبرالية " النيابية " كان هنا صيغه أخرى للديمقراطية، أكثر تعبيرا عن المصطلح في أصله الاغريقى، والذي يقتضى أن يكون الشعب هو الفاعل، أي هو الذي يحكم نفسه حكما مباشرا بأن يجتمع المواطنون ويشتركون في مناقشة مشكلات مجتمعهم، ويتخذون القرارات اللازمة لحل تلك المشكلات لتكون بعد هذا ملزمة للكافة في سلوكهم فتتحول إلى واقع،هذه الصيغة أطلق عليها اسم الديموقراطيه المباشرة. وكانت هذه الصيغة سائدة في عصر الحضارة الإغريقية، ولم تكن مقصورة على بلاد الإغريق بل طبقت في مناطق أخرى كايطاليا وفي أسيا الصغرى وفي جنوب فرنسا حيث اليوم، نيس ومرسيليا وعلى الشاطئ الشرقي لشبه جزيرة أبمبريا "إسبانيا" وفي صقلية...(د.عصمت سيف الدولة، الديموقراطيه والوحدة العربية)
تقويم: لا مجال لنقد الديمقراطية من حيث هي نظام فني لضمان سلطه الشعب ضد استبداد الحكام ، لكن النقد ينصب على الأساس الفكري الليبرالي للديموقراطيه حيث أنها جعلت الشعب او أغلبيته مصدرا للسيادة(السلطة المطلقة) و التشريع(حق وضع القواعد القانونية المطلقة) والملكية(حق التصرف المطلق في المال) . كما أن هناك تناقض بين الأساس الفردي لليبراليه والأساس الجماعي للديمقراطية. بالاضافه إلى هذا فان الديموقراطيه الليبرالية إذ تحرر الشعب من استبداد الحاكمين ، لا تضمن عدم استبداد اقليه من الرأسماليين فيه، لان النظام الراسمالى هو النظام الليبرالي في الاقتصاد، فالديمقراطية الليبرالية إذ تضمن ان تحتفظ للشعب بسلطته في مواجهه الحاكمين ،تأتى الليبرالية – ممثله في نظامها الاقتصادي اى الراسماليه- فلا تضمن أن تسلب اقليه من الرأسماليين الشعب سلطته ( د.عصمت سيف الدولة، النظرية ، ج2، ص197-198)
رابعا: الفردية : ومن اركن الليبرالية كمذهب الفردية ، فالليبرالية فرديه في موقفها من الأخلاق والمجتمع، وقد تناولت الليبرالية مشكله العلاقة بين الفرد والمجتمع استنادا إلى فكره القانون الطبيعي التي مضمونها( أن مصلحه المجتمع ككل تتحقق حتما من خلال عمل كل فرد فيه على تحقيق مصلحته الخاصة).بناءا على هذا تري أن تكف الدولة عن التدخل في المحاولات الفردية لتغير الواقع وان تبقي الدولة في حدود وظيفتها ( الطبيعية) وهي حراسة (القانون الطبيعي) من أي محاولات لتعويق فعاليته وذلك بان توفر للناس الأمن الخارجي والداخلي وتنفيذ ما يصل إليه الناس بإرادتهم.
تقويم: وهكذا فان الليبرالية قد اختارت التأكيد على حرية الأفراد المكونين للمجتمع لكنها تطرفت في هذا التأكيد لدرجه إلغاء وحده المجتمع، وهذا الحل يؤدى إلي إلغاء المساواة كما هو ماثل في تجربه المجتمعات الغربية،وقد يؤدى إلى الفوضى (تفكك الدولة،الانهيار الاقتصادي) كما هو ماثل في تجربه مجتمعات العالم الثالث. والليبرالية كفلسفة فرديه تتعارض مع الفلسفة الاجتماعية الاسلاميه لأنها تقوم على الجمع بين الفرد والجماعة- استنادا إلي مفهوم الوسطية – فهي تؤكد على وحده المجتمع( بتقريرها المساواة) وكما تؤكد على التعددية وحرية الإفراد المكونين له(بتقريرها الحرية) فهى تهدف الى تحقيق توازن بين الفرد و الجماعة ،من خلال جعلها علاقة المجتمع بالفرد كعلاقة الكل بالجزء ،يحده فيكمله ويغنيه ولكن لا يلغيه، ومن خلال تقسيم الشريعة الاسلاميه إلى العبادات الأصل فيها الفرد والفرع فيها الجماعة ، والمعاملات التي الأصل فيها الجماعة والفرع فيها الفرد .

المراجع:

1. احمد كمال أبو المجد، نحو صيغه جديدة للعلاقة بين القومية العربية والإسلام،مجله المستقبل العربي ،العدد26 – ابريل1981
2. عصمت سيف الدولة ، عن العروبة والإسلام ،مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1988
3. د.عصمت سيف الدولة، نظرية الثورة العربي، دار المسيرة، بيروت، 1970

************************************************** *********
للاطلاع على مقالات أخرى للدكتور صبري محمد خليل يمكن زيارة العنوان التالي:
الموقع الرسمي للدكتور/ صبري محمد خليل خيري | دراسات ومقالات https://drsabrikhalil.wordpress.com


 


رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
معوقات, الاستمرارية, الاستدامة, الديموقراطيه, السودانية:, واليات, ضمان

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
ظاهره الفن الهابط :تحليل منهجي لأسبابها واليات محاربتها صبرى محمد خليل خيرى منتدى المشاهير والفن 2 08-05-2017 08:55 PM
ظاهره الإدمان واليات مكافحتها صبرى محمد خليل خيرى منتدى الطب والصحة 1 24-03-2017 03:48 AM
نحو مذهب اسلامى في الديموقراطيه صبرى محمد خليل خيرى المنتدى الإسلامي 0 06-12-2016 04:33 PM


Loading...

Powered by vBulletin® , Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
Tynt Script Added by Leicester Forum
HêĽм √ 3.1 BY: ! ωαнαм ! © 2010
Protected by CBACK.de CrackerTracker

Security team

 
جميع مواد النيل الازرق من صور ومعلومات محفوظة جميع الآراء و المشاركات المنشورة تمثل وجهة نظر كاتبتها فقط , و لا تمثل بأي حال من الأحوال وجهة نظر الشبكة والمنتدى .